بقلم: أحمد بكير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تابعنا زيارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى الصين، الزيارة كانت محط أنظار واهتمام العالم بأسره لما حققته فى الملفات السياسية والاقتصادية، والصفقات المليارية، فأحاطت بها أجواء من الحفاوة والابتسامات والمصافحات الرسمية أمام الكاميرات.
ولكن خلف الدبلوماسية، وفى كواليس المغادرة، حدث الموقف الأهم والأكثر إثارة.. على أرض مدرج مطار بكين الدولى، كان الموقف الغريب والعجيب الذى أظهر حالة الرعب الأمريكى غير المسبوق من الصين.
قبل الصعود إلى طائرة الرئاسة الأمريكية الشهيرة، لم يكن الوفد المرافق لترامب يحمل معه حقائب أو هدايا تذكارية تلقوها من الصينيين، بل كانوا يتخلصون بنوع من الهستيريا والقلق الأمنى من كل شىء لمسته أيادى صينية! وتحت الأنظار امتلأت سلات المهملات الموضوعة أسفل سلم الطائرة إلى ما يشبه المقبرة التكنولوجية. تخلص أعضاء الوفد الأمريكى والمرافقون جميعهم من كل الهدايا الرسمية، وبطاقات الاعتماد الإلكترونية، والشارات، والدبابيس التذكارية، والهواتف المحمولة المؤقتة التى استخدموها خلال الزيارة.
كانت تعليمات أمنية صارمة وواضحة قد صدرت للجميع تمنع دخول أى جزىء إلكترونى أو تذكار صينى إلى الطائرة الرئاسية. هذا التصرف الغريب لم يكن مجرد إجراء أمنى روتينى، بل كان تجسيداً حياً لحالة الهلع من احتمالات وجود برمجيات تجسس خبيثة أو رقائق تنصت قد تخترق البيت الأبيض.
هذا الفزع الذى ظهر فى المطار، يعكس الوجه الحقيقى للصراع الممتد بين واشنطن وبكين، والذى تحول من مجرد منافسة تجارية إلى حرب وجودية على من يسيطر على عالم المستقبل. لسنوات طويلة، كانت أمريكا تظن أن الصين مجرد مقلد للمنتجات، لكن المعادلة انقلبت رأساً على عقب بعد القفزات الهائلة التى حققها الصينيون فى مجالات الذكاء الاصطناعى، وشبكات الاتصالات المتطورة، والحوسبة الفائقة، والأمن السيبرانى، مما جعل واشنطن تدرك أن التفوق الرقمى لم يعد حكراً عليها وعلى الغرب وحدهم.
الهلع الأمريكى لم ينشأ خلال الزيارة، فمنذ سنوات تتهم أمريكا شبكات الاختراق (الهكرز) الصينية بمحاولة اختراق بنيتها التحتية الحيوية وسرقة البيانات الضخمة. وخاضت واشنطن حرباً شرسة لمحاصرة عمالقة التكنولوجيا الصينيين مثل شركة "هواوى" وشركة "زد تى إى" وشركات الرقاقات الإلكترونية. الحرب التكنولوجية بين أمريكا والصين قديمة ومدفوعة بفوبيا التجسس. هذا الصراع جعل كل جهاز، وشريحة، وحتى هدية تذكارية بسيطة مصنوعة فى الصين، بمثابة قنبلة موقوتة تهدد الأمن القومى الأمريكى.
وخلال الزيارة، فرض الوفد الأمريكى على نفسه عزلة تكنولوجية، فأغلق جميع الهواتف الشخصية، وتم حفظها داخل حقائب خاصة مبرمجة لعزل ومنع التقاط أو إرسال أى إشارات لاسلكية، خشية أن تقوم الشبكات الصينية المتطورة بتفعيل الميكروفونات والكاميرات وسحب البيانات عن بُعد. واعتمد المسؤولون بدلاً منها على هواتف بدائية مؤقتة للتواصل أثناء الزيارة، تم تدميرها وإلقاؤها فى القمامة قبل ركوب الطائرة.
بالنسبة لى يبقى مشهد الهدايا وهى تُلقى فى صناديق القمامة هو الحدث الأبرز والأكثر دلالة فى الزيارة كلها، لأنه يمثل اعترافاً أمريكياً بانهيار الثقة التكنولوجية، وعجز أجهزة الفحص التقليدية عن مجاراة أساليب التشفير والتجسس الصينية الفائقة.
فى العصور السابقة، كانت الدول تخشى الجيوش والترسانات العسكرية الضخمة، أما اليوم، فإن كواليس هذه الرحلة تؤكد أن أمريكا باتت ترتعش من مجرد رقاقة إلكترونية صغيرة مبرمجة بذكاء، قادرة على تحويل هدية دبلوماسية إلى عين تتجسس على أسرار الدولة وتخترق حصونها.